محمد بن جرير الطبري
134
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الفعل من الله على الخير ، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الخبر فقال : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة . وقد بينا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وقوله : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة يقول تعالى ذكره : للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله وأطاعوه فيها ودعوا عباد الله إلى الايمان والعمل بما أمر الله به حسنة يقول : كرامة من الله ، ولدار الآخرة خير يقول : ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا ، وكرامة الله التي أعدها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا ولنعم دار المتقين يقول : ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وهؤلاء مؤمنون ، فيقال لهم : ماذا أنزل ربكم فيقولون خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة : أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله ، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : ( جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين ) يعني تعالى ذكر بقوله : جنات عدن بساتين للمقام ، وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته . يدخلونها يقول : يدخلون جنات عدن . وفي رفع جنات أوجه ثلاث : أحدها : أن يكون مرفوعا على الابتداء ، والآخر : بالعائد من الذكر في قوله : يدخلونها ، والثالث : على أن يكون خبر النعم ، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم : ولنعم دار المتقين جنات عدن ، ويكون يدخلونها في موضع حال ، كما يقال : نعم الدار دار تسكنها أنت . وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويل يدخلونها من صلة جنات عدن . وقوله : تجري من تحتها الأنهار يقول : تجري من تحت أشجارها الأنهار . لهم فيها ما يشاءون يقول : للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم . كذلك يجزي الله المتقين